رسالة سجين

رسالة سجين 2018-11-30

بسم الله الرحمان الرحيم                                                    

والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم   

                                                    إلى ريحانتي العطرة

 تونس في 16/07/2000

 

                                             السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 أنا حزين وجملتي هذه ملخّص حالي  ومراد كلامي إليك نعم " أنا حزين" بالمعنى العميق الذي تحوجه العبارة وتلك الجملة التي افتتح بها الكلام بيننا لها رجع مرير في نفسي حزين حزن من خاب مأمله في أعزّ الناس إليه.

حينما يحاصرني الصمت المفروض عليّ بلا اختيار منّي أو منك وحينما يمنعني المانعون عنك ويحال بيني وبينك بأقفال وأسوار ورقباء حينها يصير لهذا النوع من الصمت طمعا لذيذا . الصمت الذي ليس لك يد فيه يبعث فيّ قوة جبارة على التحدي والاحتمال والعشق والجنون بل ينعشني برغبة الالتحام بك في الحلم واليقظة.

كيف نقهر الأيادي المدنسة التي تحرمني من صوتك وخطّك وهمسك. لذلك لم أتوقف عن الكتابة لوحدي رغم أنها صعبة لأنك تجعلينني أفكّر في كلّ كلمة و همسة أو رسم جميل ينعش روحك وقتها أحسّك تحتاجين قوتي  ومددي وصلواتي وكل أحلامي اللذيذة التي تجمعنا معا.

الرسالة  يا صديقتي الحبيبة هي الخيط الوثيق الوحيد والمباشر الذي ينقل لي ولك نبض قلبينا  وحرّ أنفاسنا وهمسنا وآمالنا وأشجاننا. هل تحتاجين شرحا حول ما تعنيه الرسالة  لواحد مثلي أو مثلك إنها المساحة التي أجتمع معك فيها إنها الطائر الذي ينفض القيود عن ذراعيّ لأعانقك وألتصق بك أكثر هل تدرين ما معنى الرسالة أم نسيت؟ أم غفلت ؟ أم شُغلتِ ؟

لقد تيقنت من تقصيرك ولا عذر لك عندي وبدا لي أنك وراء هذا الصمت الذي حيرني .

لقد طال الصمت الرهيب وتهاوت كل الأعذار التي التمستها لك وأنا يا أنا يشهد الله  كم بذلت من جهد لأكتب بسخاء حرمت أصفيائي هنا من رسائلهم لأكتب لك أكثر بل حرمت بعض أصحابي وأقاربي وأوفيائي الذين لم ينقطعوا عني. طيلة السنوات العشر من ردودي ومكاتباتي  بل رسائلي الملونة التي أكثرت منها التي أكثرت منها أكبر شاهد إصراري على الكتابة ثم الكتابة ثم الكتابة  ويوما ما أحكي لك قصّتها  لتعرفي بالضبط كم أحسّ بك كم أدرك قيمة الرسائل في حياتك . كنت أحيانا إذا هممت بالكتابة لغيرك تذكرت جملة لست أنساها قلتها لي في إحدى رسائلك " وأريد أن تقف معي بدعائك  وصلواتك  ورسائلك التي تعطيني القوة على التحدّي " وسطرت على كلمة رسائلك حينما أتذكرها أجدني أنسى الآخرين :

تصوري نجاة تحبّ رسائلي كثيرا وتطلب مني دائما مراسلتها لكني لا أفعل وأقول تكفيها الزيارة  فهي تراني  وتحدّثني أما رحمة ....

معاذ الله أن أكون أمنّ عليك بكلّ هذا , هذا واجبي اضطلع به بكل لذة وعشق  بل لقد دونت جملة من المواضيع لنتبادل فيها الرأي لنفهم بعض أكثر ولكن ... الأمور معك أصبحت صعبة, أنا علي يقين تام أنه لم يمنعك من الكتابة مانع إلا نفسك صحيح تبقى القدرة على الكتابة أقوى من كلّ الموانع وحينما لا نكتب فهناك تفسير حقيقي واحد.

هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي أتوقف فيها عن الكتابة طوال هذه المدّة ( 3 أسابيع أو 4) لقد امتزج في نفسي غضب وحزن قد نسيطر على الغضب أما الحزن فهو كالليل  يعشى ظلامه كل أركان القلب.

أنا يا رحمة حزين وكلمة حزين أصدق بيانا لحالي  وحزني  يرجع بالأساس  لشعور بالخيبة : كنت أعتقد أنّ الظروف قد تمنعك عن كل شيء- الطعام , النوم , العمل , الحياة , التنفس,  ولكنها لن تمنعك عن الكتابة .

في السجن تعلمت من الفترات الصعبة  ورحلة السنوات  العشر أن عنف الصدمة الأولى  يهفت ويخفت حينما تصير الصدمات يومية ...لذلك اطمئني  قلبي له من القوّة والصلابة  ما يجعل أعتى الهموم تتحول إلى غمامة عابرة سرعان ما تفْرنْقع مع أولى نسائم الصبح الموالي.

الكتابة عندي طقوس مقدسة أعيشها بكلّ كياني وأعشقها لأنها الخيط المباشر  والوحيد الذي يحملني  لجنتي الخضراء  وقد تركتها  منذ مدّة  ومازلت أتركها لحين تذهب  الكُدرة

                                                                أرجو أن تكوني شجاعة وصادقة

                                                                في محاسبة نفسك وأرجو أن لا أكون

                                                                قد ظلمتك .         والسلام

  • شارك على:
  • كلمات مفتاحية:
  • المناضلين المذكورين:

التعليقات

شارك بتعليق

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها